في ذلك اليوم

موقع أيام نيوز

المذعورة تجاهي وشعرها المشوش ودموعها الصامتة وكأنها قد تذكرت للتو أنها تحبني بصرف النظر عن الشجار المندلع بيننا منذ دقائق!
لم أكن لأحول نظري عنها كنت ألتفت إلى الخلف ملوحا لها بنصف الصورة فكانت تبادلني التلويح في بكاء إلى أن اختفت عن ناظري وذابت في زحام الواقفين فبكيت!
لا أدري ما الذي حدث لها بعد ذلك وكيف تقبلت أمي الخبر وماذا عن الحلوى التي أحضرتها للصغيرة ربما مازالا يتجرعان مرارتها إلى الآن! 
ترى هل سافرا إلى العاصمة أصلا أم أنها عادت إلى عمي كي يساعدها في البحث عن ابن أخيه مضى أكثر من عشرين عاما وأنا لازلت أحتفظ بالمشهد كما هو ولازال يخفيني صوت القطار! 
عادت بي المرأة إلى إحدى مدن الريف مرة أخرى بعد وجبة تعذيب دسمة جدا لأنني حاولت التملص والهرب منها رغم صغر سني حينها إلا أنني كنت ولأول مرة أشعر بالغدر الممزوج بقلة الحيلة والأسى. 
وضعتني المرأة في غرفة مظلمة لمدة ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع تحدثت في الهاتف مع أحدهم بشأن بيعي مقابل مبلغا من المال وكأنني عبد قد أتت به من سوق النخاسة! 
في صباح اليوم التالي كنت قد تمكنت من الهرب واتجهت رأسا إلى محطة القطار وباعتقاد طفولي كنت أظن أن والدتي لازالت تقف هناك لكنني وجدت محطة أخرى غير التي كنا بها وأناسا آخرين فضاقت علي الأرض بما رحبت كل هذا العالم لا يحتوي حزن طفل صغير ولا يحترم طفولته! 
كنت أنظر إلى الصورة الممزقة وأبكي وأتأمل ملامح أختي الطفولية وأشعر أنني أنا من أضعتها ثم أقبل الجزءالظاهر من وجه أبي وأطلب منه أن يسامحني على ما اقترفت يداي..! 
بعد ستة أشهر من التسكع بالطرقات والمبيت بالعراء كقطط الشارع المنبوذة تكفل بي رجل عقيم يخطو نحو الستين من عمره عاملني هو وزوجته كأفضل ما يكون حتى صرت طبيبا تجوب شهرته الأركان ولم يتركا سبيل للبحث عن أمي وأختي إلا وسلكاه لكن باءت كل المحاولات بالفشل.
منذ إسبوع جاءت لعيادتي فتاة ضعيفة يبدو أنها في أواخر العشرينيات برغم الشعرات البيضاء النافرة من
حجابها! .. أخبرتني أنها بحاجة لإجراء جراحة عاجلة وقد أتت إلي خصيصا من العاصمة بعدما أخبرها أهل الخير أن في هذه المدينة طبيب يجري جراحة مجانية كل جمعة تقربا إلى الله ليحقق له حاجة في نفسه!
أخبرتها أنها في ضيافتي حتى نجري لها الجراحة وحتى تسترد عافيتها بشكل تام وطلبت منها أن تدعو لي .. بعد إجراء الجراحة بيومين أخبرتني أنها لا تملك جنيها واحدا تسد به دينها لي .. ثم
أمسكت بكيس نقودها لتأكد لي أنه فارغ من المال فسقطت منه صورة مهترئة لطفل صغير وأمه ورجل آخر لم تظهر ملامحه بشكل كاف لأن أطفالا صغارا قد شطراها إلى نصفين قبل أكثر من عشرين عاما!
تابعني واترك بصمة مرورك بالصلاة على الحبيب المصطفى

تم نسخ الرابط