كنت أقف لدى أحد القصابين أبتاع لحمًا
كنت أقف لدى أحد القصابين أبتاع لحما. كان سعر كيلوجرام اللحم وقتها أربعين جنيها مما يدلك على أنها ذكرى قريبة جدا !.. وكان القصاب يتسلى بممارسة النصاحة معي وهو يسخر في سره من أستاذ الجامعة الذي يمكنه أن يقنعه بأي شيء أو يدس له أردأ قطع اللحم مقنعا إياه أنها قطعيات نادرة لها ثمن خاص.
هنا رأيت امرأة مسنة في الستين من العمر تقريبا تخطو مترنحة في الشارع أمام محل القصاب ثم سقطت أرضا فاقدة الوعي. تعاوننا على نقلها إلى الداخل الظليل وقدم لها صبي القصاب كوب ماء. كانت امرأة بسيطة ريفية لا تكف عن البكاء الهستيري ولطم الخدين. وفي يدها لمحت رزمة ممزقة يطل منها بعض الورق الأبيض بحجم ورقة البنكنوت.
لما تمكنت من الكلام أخيرا قالت إنها من السنطة وهي مركز صغير من مراكز الغربية يقع على بعد ثلث ساعة من قلب طنطا. قالت إنها كانت في موقف السيارات تبغي الركوب لطنطا عندما توقفت سيارة أمامها بها رجلان. أكبر الرجلين ناداها باسمها وقال إنه صديق ابنها وعرض عليها توصيلها لطنطا. وافقت في حماسة على سبيل الاستخسار.
في الطريق إلى طنطا دار حوار سريع. أبدى الرجل الأول إعجابه بالحلي التي تلبسها.. القرط والقلادة والسوار وعرض عليها أن يشتري منها هذا الذهب بخمسين ألف جنيه وهو مبلغ ممتاز بأسعار الذهب وقتها فوافقت على الفور وتم التبادل. أخذ منها الذهب وناولها لفافة مليئة بالبنكنوت وعد لها الرزم .. ثلاث .. أربع .. خمس رزم .. مبروك.
ثم أنها ترجلت من السيارة في طنطا سعيدة بالصفقة الذكية التي أبرمتها وفتحت اللفافة بمجرد ابتعاد السيارة لترى المال فاكتشفت أنها أوراق بيضاء غلفت بالعملة على الجانبين على طريقة السينما.. صړخت وغابت عن الوعي.
كان الجزار يستمع لها في غير تعاطف وهو يمضغ لفافة التبغ أما أنا فكنت في ذهول من كل هذا القدر من الجشع والحمق والغباء. الصفقات لا تتم بهذه السرعة والسهولة.. لا أحد يركب مع غرباء فإذا ركب فهو لا يبيع الذهب فإذا باع فهو لا يأخذ