كنت أقف لدى أحد القصابين أبتاع لحمًا
رزم مال مغلقة لا يعرف ما فيها. بقرة آدمية هي.
قال لها الجزار في فتور إن عليها أن تذهب لقسم الشرطة لتبلغ عن الڼصب الذي تعرضت له فعرضت في حماسة وأريحية أن آخذها هناك بسيارتي.
مال علي وهمس من تحت شاربه الغليظ
لا تتورط يا دكتور .. سوف تتهمك بأنك من سرق ذهبها بمجرد أن تنزل أمام قسم الشرطة!
قلت له في عدم فهم
كيف إنها ضحېة !
اسمع الكلام !
ثم مد يده طالبا ثلاثة جنيهات مني .. كان هذا هو أجر سيارة الأجرة وقتها ثم لوح بالسکين لسيارة أجرة مارة ففتح الباب وألقى بالعجوز إلقاء داخل السيارة ودفع للسائق ثلاثة الجنيهات وأمره أن يأخذها إلى قسم ثان طنطا وخلي بالك منها يا هندزة .. دي زي والدتك.
ابتعدت سيارة الأجرة هنا أطلت العجوز من النافذة وصاحت بصوت رفيع وهي تشير نحوي
هو ده اللي .
لكن السيارة كانت قد ابتعدت ..
قال الجزار وهو يزن اللحم الرديء لي لأنصرف
لا يمكن تصديق قصتها .. لا يوجد أحد بهذه البلاهة. يبدو أنها قامت باختلاق الأمر كله .. هناك احتمال كبير جدا أنها كاذبة وتريد توريط أفندي مثلك في مشكلة ليدفع لها.. الاحتمال الثاني أن قصتها حقيقية وأنها فعلا بهذا الغباء والطمع.. من الوارد جدا أن تتمسك بك وتصرخ أمام قسم الشرطة لتورطك في ڤضيحة ودفع مبلغ يعوض خسارتها .. صدقني يا دكتور .. نحن قمنا بالشيء الصحيح.
تذكرت وجهها الغبي الجشع وهي تنظر من النافذة كدابة .. هو ده اللي.. ماذا كانت تنوي قوله كتلة ضيق الأفق التي لا يمكن التنبؤ برد فعلها. تذكرت رواية يوميات نائب في الأرياف عندما وقف وكيل النيابة الشاب مع توفيق الحكيم يراقبان عرضا قانونيا أمام فلاحة مسنة.. أوقفوا أمامها صفا من الرجال لتختار من قتل زوجها منهم. تجاوزت الصف كله ثم هوت بقبضتها على صدر وكيل النيابة الشاب صاړخة غريمي!. قال توفيق الحكيم إنه منذ ذلك الحين فقد الثقة في قيمة العروض القانونية مع كل هذا الغباء ومع التراكوما والرمد البثري
اللذين قضيا على بصر هؤلاء القوم.
شكرت القصاب وأنا أحمل قطعة اللحم الرديئة وقلت لنفسي إنه رجل أريب حذر يملك قدرا هائلا من النصاحة. تخلص من العجوز ولم يدفع حتى ثمن سيارة الأجرة بل تقاضاه مني ثم تخلص من ألعن قطعة لحم لديه.
قالت منال زوجتي عندما فتحت كيس اللحم
كيف ينجح القصاب في خداع رجل مثقف مثلك في كل مرة
قلت وأنا أغسل وجهي
الثقافة شيء والذكاء شيء والنصاحة شيء آخر .. ما أعرفه هو أنه أنقذني من مشاكل محتملة لا حصر لها لهذا أنحني له احتراما وتوقيرا. لقد استحق أن يخدعني.