عرفت هذا الرجل منذ أعوام

موقع أيام نيوز

صيد سمك الحفش.. فتح السمكة ورأى كيف يتراص الكافيار بالداخل.. لكنه بالطبع لا يتذوقه.. إن طعمه شديد الزفارة ولابد أن يعالج صناعيا أولا قبل أن يؤكل.. سمك الحفش يصنع دخل إيران وروسيا.
كان يسعل كثيرا فى الأسبوع الماضي بسبب استنشاق فضلات الخفافيش فى كهوف أمريكا الجنوبية.. عندما تدخل الكهف دون حذر فإنك تستنشق فطر هستوبلازما الذى يدمر الرئتين ټدميرا. عرضت عليه أن أعطيه بعض حقن أمفوتريسين لعلاج داء الهستوبلازما ثم تذكرت أن هذا كله خيال في خيال.
إن شمس منتصف الليل مرهقة للعينين فعلا لذا تؤلمه عينيه مؤخرا.. الأسوأ هو أن تمشى لساعات وسط الثلوج فى ألاسكا لأنك تصاب بعمى الثلوج.. عندما سكنت في شقتي الجديدة قبل أن أقوم بتأثيثها كانت كل الجدران بيضاء.. أصابني نوع من العته من السير وسط هذا الفراغ الأبيض وشعرت بأن الضباب يغزو كل شيء ويتسرب لعقلي.
هناك مشكلة أخرى هى أن تدبر الطعام لكلاب الهسكي الجوعى التي تجر زحافتك على الثلج.. أنت تعرف أن هذه الكلاب تأكل نفس الكميات التي يأكلها شخص بالغ.
عندما تذهب إلى نيوزيلاند فعليك أن تعرف عادات قبائل الماوري.. اللحم المشوي تحت التراب.. الهاكا التي يرقصونها قبل مباريات الرجبي. مخيفة جدا على فكرة.
من الممتع أن تجرب رحلات الخلاء وأنت في الجزيرة العربية.. البحث عن الكمأة ثم العثور على الضب وشيه.. سوف تعتاد منظره ومذاقه بعد قليل.. إن لحمه لذيذ فعلا.
جاءت اللحظة التى سألته فيها عن البلاد التى رآها.. لابد أنه زار بلدا أو اثنين.. على الأقل كل مصري أعرفه رأى العراق أو ليبيا أو دول الخليج سواء بحكم العمل أو للقيام بالحج والعمرة في المملكة العربية السعودية.
هنا جاءت آخر إجابة أتوقعها
أنا لم أغادر مصر قط! لم أغادر القاهرة قط! كل هذه المعلومات أعرفها من الكتب
قلت له وقد نفد صبرى فى النهاية
أرى أنك أعددت نفسك كثيرا جدا جدا.. ألا ترى أن الوقت قد حان للسفر لمكان ما
نظر لي في عدم فهم فقلت
كل المال لا قيمة له ما لم تنفقه.. وأنت تملك خبرات عظيمة
فى النهاية قال لي في حزن
أنا في الخامسة والخمسين من عمري ولم يعد هناك وقت كاف لرؤية أى شىء أو السفر.. ليس عندي مال كاف للسياحة.. ثم أن الحقيقة التي أخفيها عن الجميع هي.. هي..
وأشاح بوجهه فى خجل
أنا أخاف ركوب الطائرات جدا!
ثم قال وهو يتنهد
المطارات مكان مرعب.. تخيل نفسك فى مكان واسع ممتد تشعر فيه بالضياع.. الكل يجرى مذعورا.. وفي كل لحظة يدوي من مكبر الصوت صوت مفعم بالصدى لا تفهم منه حرفا واحدا.. رسالة تتكرر بالعربية والإنجليزية والفرنسية وأنت لا تفهمها!
يمكنني أن أفهم ما يعنيه واسمه أجورافوبيا.. وهو نوع مشهور من الذعر.. لكنني لن أذكر له
اسم هذا المړض حتى لا يقع فى ذعر آخر اسمه الذعر من الأسماء اللاتينية المعقدة.
هذه هي مأساة الإنسان على كل حال.. قد يقضي حياته في جمع المال ثم لا يجد الوقت كي ينفق مليما أو ينفق المال على المستشفيات التي تعالجه من الفشل الكلوي أو السړطان.. قد يدخر العواطف وفي ذهنه أن يسكبها عند قدمي امرأة يمنحها كل شيء.. في كل مرة يتضح أن المرأة لا تستحق أو هي المرأة الخطأ أو لا يقابلها أبدا.
هنا يقوم صاحبى بجمع الخبرات فى حماسة.. وهو لن يستعملها أبدا.. لا وقت ولا شجاعة ليستعملها.. أن تجمع المعلومات عن البلدان وأنت لا تنوي ركوب الطائرة أبدا هو نوع من العبث.
هنا لاحظت ملامحه بعناية.. لم يخطر ببالي أنه ينتمي فعلا لنمط من الأشخاص والوجوه.. هذا النمط هو نمطي أنا.. هذه ملامحي أنا.. نمط جامعي الأحلام الذين لا يظفرون بأحلامهم لأنهم يخشون المخاطرة أو يمقتونها.. لهذا يقضون وقتهم في كتابة الكتب عن أحلامهم تلك.
اتصلت بصديقي بعد أيام لأخبره أن عليه أن يستجمع شجاعته ويذهب لمكان ما قبل أن ېموت. عرفت أن كلامي أثر فيه كثيرا لهذا ذهب يجرب الأسفار.. هناك قرية صغيرة اسمها كفر الشحاتين جوار القاهرة وقد ذهب هناك ليجرب خبراته بضعة أيام. صحيح أنه لن يجد برج إيفل ولا قوس نصر ولا شلالات نياجرا لكنه على الأقل سيشعر بأنه مسافر لمكان ما!
من يدري ربما أحزم حقيبتي وألحق به هناك لأمضي أياما في السياحة.. فلا حياة من دون مخاطرة.

تم نسخ الرابط