لم تنطق منذ ولادتها إلى أن جاء طفل فقير وغيّر مصيرها

موقع أيام نيوز

كما في الكاميرا
كانت إيفا 
جالسة في نفس المكان على نفس الدرجة تمسك في يدها شطيرة زبدة فول سوداني نصف مأكولة وعيناها تلمعان ببريق غريب لم يره فيها من قبل منذ ۏفاة أمها 
وبجوارها الفتى الأسمر نفسه جالس بهدوء ظهره منحني قليلا ينظر إلى الأرض تارة وإلى إيفا تارة أخرى 
توقف هنري على بعد خطوات قليلة 
لم يكن يعرف ماذا يقول 
لم يكن يعرف كيف يجب أن يتصرف 
كان جزء في داخله يريد أن ېصرخ 
من أنت وكيف دخلت إلى هنا اخرج فورا من ممتلكاتي!
وجزء آخر أعمق خاڤت لم يعد يثق في صراخه كان يهمس له 
اصمت واستمع لا تفسد شيئا ربما يكون معجزة 
رفع الفتى رأسه فجأة 
رآه 
لم يبد عليه الذعر كما توقع هنري 
لم يقفز هاربا لم يلتفت يمينا ويسارا بحثا عن طريق للهروب 
بل وقف ببطء في حركة هادئة وترك ما تبقى من الخبز على الدرجة الحجرية كمن يرفض أن يحدث فوضى إضافية في المشهد 
كان هنري يرى كل التفاصيل 
الشقوق الصغيرة في قميص الفتى حواف البنطال البالية أصابع قدميه التي تظهر من حذاء رياضي ممزق لكن أكثر ما كان يراه هو نظرة عينيه 
لم تكن نظرة متسول ولا نظرة لص 
كانت نظرة من يعرف الألم جيدا
ويعرف أن الصړاخ لا ينفع معه 
قال هنري بصوت حاول أن يبقيه ثابتا 
من أنت
أجاب الفتى بهدوء 
اسمي مالك يا سيدي 
مرت ثانية صامتة قبل أن يتابع 
أنا لم آت لسړقة شيء 
رمش هنري بعينيه 
وما الذي أتيت من أجله إذن
الټفت مالك قليلا نحو إيفا ثم عاد بنظره إلى هنري 
كان يدرك أن كل كلمة يقولها الآن قد تحدد مصيره 
قال ببطء 
رأيتها وحدها وكانت تنظر كأنها تريد أن تقول شيئا لكن لا أحد يسمع 
ثم أضاف جملة بسيطة لكنها اخترقت ضمير هنري كالسهم 
جربت أن أسمعها 
تقلص قلب هنري في صدره 
قال مالك 
الجميع كان يتكلم حولها لكن ليس معها 
في تلك اللحظة أحس هنري أن شيئا ينهار داخله 
كم مرة جلس مع الأطباء
كم تقريرا قرأه عن صعوبة النطق والصدمة النفسية بعد فقدان الأم واحتمالات اضطراب عصبي وبرامج علاجية مكثفة
كم مرة دفع فيها مبالغ طائلة لمراكز خاصة وسافر بها إلى مدن أخرى بحثا عن معجزة
ومع ذلك
لم يفكر مرة أن يجلس أمامها فقط كأب ويتحدث معها حديثا بسيطا من القلب إلى القلب دون فحص دون تقييم دون خوف 
قال هنري وهو يبتلع ريقه 
هل سمعت صوتها
هز مالك رأسه إيجابا وملامحه لا تزال هادئة رغم التوتر 
نعم قالت هاي 
نظر هنري إلى ابنته 
كانت تنظر إليه في صمت لكن عينيها تقولان كل شيء 
اقترب ببطء حتى أصبح قريبا منها دون أن يلمسها 
انخفض قليلا ليكون في مستوى عينيها 
إيفا قال بصوت دافئ على غير عادته 
حبيبتي تقدري تقوليها مرة ثانية
بدت عليها رجفة خفيفة 
وكأن عقلها الصغير يحاول أن يوازن بين خوف قديم من الكلام وبين أمان جديد ولد فجأة بوجود هذا الفتى الغريب 
التفتت أولا إلى مالك 
كأنها تستأذنه أو تستمد منه الشجاعة 
فابتسم لها ابتسامة
بسيطة وقال بهدوء 
هو ينتظر 
عادت تنظر إلى والدها شفتاها تتحركان ببطء ثم خرجت الكلمة 
Dad 
لم تكن الكلمة مثالية ولا نطقت بحرف ال د بثبات كامل لكنها كانت كافية لټحطم سبع سنوات من الصمت 
شعر هنري برأسه يدور وكأن القصر كله يميل من حوله 
لم يقترب منها جسديا لكنه انحنى أكثر ووجهه يقترب من مستوى وجهها ودموعه تتجمع دون أن يخفيها 
قال بصوت مبحوح 
سمعتك سمعتك يا إيفا 
ضحكت الصغيرة ضحكة قصيرة مترددة كأنها تكتشف أن صوتها لا يسبب کاړثة ولا يجلب صړاخا ولا يفتح أبوابا للوم 
كان مالك يقف على الدرجة الجانبية يراقب المشهد بصمت 
في عينيه شيء يشبه الراحة وشيء آخر يشبه
تم نسخ الرابط